تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣١ - مكاشفة قرآنية
فنخرج به زرعا تأكل منه- أي: من ذلك الزرع- أنعامهم من عصفه، و أنفسهم من حبه كما في قوله تعالى: فاكِهَةً وَ أَبًّا* مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ [٨٠/ ٣١- ٣٢] فلا تبصرون بدائع صنعه و لطائف رحمته في حق أنفسهم و في حق أنعامهم.
مكاشفة قرآنية
لما كانت الآية السابقة بحسب ما وجّهناها و أوّلنا إليه، إشارة إلى الحثّ و الترغيب للاهتداء بأنوار كتاب اللّه تعالى، و الارتقاء على أعلام الحقائق القرآنية، و الزجر و التهديد و النهي و الوعيد للقاعدين عن سلوك هذه الدرجة العظيمة، بحكاية إهلاك قرون ماضية كانوا يمشون في مساكنهم السفلية و يترددون في منازلهم الحسيّة البدنية، لطلب الأغراض الخسيسة و المقاصد الحيوانية، ففي هذه الآية إشارة تمثيلية إلى كون القرآن ماء يحيي به أراضى القلوب الميتة بموت الجهالة و النقص، كما يحيي الأرض الجرز بوابل السماء.
و تمثيل القرآن بماء المطر شائع في كتاب اللّه كما في قوله: وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [١٦/ ٦٥] و كقوله يعني أ و لم يروا أنا نسوق ماء العلم القرآني من سماء الملكوت العقلي و جوّ العالم الأعلى إلى أرض النفوس الساذجة المنقطعة عن شواغل الدنيا و عوائق الهوى، فنخرج به زرع العلوم الكشفية الإلهية و الآداب و الأحكام العملية يتغذي و يتقوي بالأولى روح الإنسان و باطنه تكميلا للقوة العقلية، و يتروض و يتهذب بالثانية نفس الإنسان و ظاهره تكميلا للقوة العملية، فإن النفس بمنزلة المركب للروح العقلي، كما إن البدن بمنزلة المركب للنفس الحيوانية، و لهذا استعير لفظ الرياضة الموضوعة لمن يروض الحيوان- أي: يمنعه عن العلف لتقبل التأديب و التعليم- لأجل النفس الحيوانية عند تسخير الروح العقلي إياها و ضبطه لها عن اللذات، لتشايع قواها الروح في سلوكه طريق الحق و سيره إلى اللّه.